الثلاثاء، 1 مارس 2022

 

الحياة بعد الرأسمالية

(اقتصاد المشاركة)

Parecon: Life After Capitalism

صادر في بريطانيا عن دار Verso سنة 2003، والترجمة العربية سنة 2005

 

مايكل ألبرت

من مواليد 1947، وهو ناشط سياسي، واقتصادي، وكاتب. ومعروف بتطويره للنظرية الاجتماعية لاقتصاد المشاركة. وقد تُرجم الكتاب إلى أكثر من 20 لغة، ولكن الإحالات على النت عنه باللغة العربية ما زالت محدودة للغاية باستثناء بعض التركيز في المغرب.

كان بداية تحوله إلى النشاط السياسي عندما كان يدرس الفيزياء في MIT سنة 1965، وذلك لاعتراضه على تمويل المؤسسة العسكرية الأمريكية للجامعة.

 

What Is To Be Undone? (1974)

Stop the Killing Train: Radical Visions for Radical Change, (1994)

Thinking Forward: Learning To Conceptualize Economic Vision, (1997)

Moving Forward: Program for a Participatory Economy, (2001)

The Trajectory of Change: Activist Strategies for Social Transformation, (2002)

Parecon: Life After Capitalism, (2003) 

Thought Dreams: Radical Theory for the 21st Century, (2003)

Realizing Hope: Life beyond Capitalism, (2006)

Remembering Tomorrow: From SDS to Life After Capitalism, A Memoir, (2007)

Occupy Theory (2013)

Occupy Vision (2013)

Occupy Strategy (2013)

Practical Utopia: Strategies for a Desirable Society, preface by Noam Chomsky (2017)

 

Co-authored

Unorthodox Marxism, with R. Hahnel (1978)

Socialism Today and Tomorrow, with R. Hahnel (1981)

Marxism and Socialist Theory, with R. Hahnel (1981)

Liberating Theory, with Noam Chomsky and others (1986)

Talking about a Revolution: Interviews with Michael Albert, Noam Chomsky, Howard Zinn etc. (1998)

Quiet Revolution in Welfare Economics, with R. Hahnel (1990)

Looking Forward: Participatory Economics for the Twenty First Century, with R. Hahnel (1990)

The Political Economy of Participatory Economics, with R. Hahnel (1991)

 

 

يقع الكتاب في أربعة أبواب: الأول بعنوان "القيم والمؤسسات"، والثاني "الرؤية الاقتصادية المشاركية"، والثالث "الحياة اليومية في اقتصاد المشاركة"، والرابع "نقد اقتصاد المشاركة"، وبعدد إجمالي من الفصول 26، وبعدد صفحات 359.

اقتصاد المشاركة: هو نظام اقتصادي جديد مستحدث يحاول حل المعضلة القائمة بوجود خيار اقتصادي وحيد –من الناحية العملية- على المستوى العالمي، وهو الخيار الرأسمالي الذي أصبح متوحشا متعولما قاتلا!

إنه نظام بديل للرأسمالية قائم على مجموعة من القيم الإيجابية: التضامن والمساحة والتنوع والإدارة الذاتية، وتتحقق هذه "الجمهورية الفاضلة" من خلال مجموعة من المؤسسات المستحدثة مثال مجالس العمال ومجالس المستهلكين ومركبات العمل والملكية وتخصيص الموارد، وذلك طبقا لمفاهيم مختلفة للعمل والاستهلاك والإشباع تمثل في ائتلافها رؤية اقتصاد المشاركة.

 

يدعو الكاتب إلى خلق مؤسسات بديلة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية؛ فقد تحول الصندوق عن هدفه في ضمان استقرار أسعار صرف العملات ومساعدة الدول الأعضاء في حماية أنفسها من التقلبات المالية، وبدلا من ذلك انصرف همه إلى إلغاء كل القيود على تحركات رأس المال والسعي المحموم لتحقيق الأرباح، كما تحول البنك الدولي إلى أداة تابعة للصندوق، إذ يمنح القروض مكافأة للدول التي تفتح الباب على مصراعية للشركات عابرة الحدود، ويمنعها عمن يرفض. أما منظمة التجارة العالمية فقد رفعت شعار التجارة باعتبارها الأصل والتنمية هي الفرع، وبالتالي وضعت التنمية في خدمة التجارة!

 

لذا فإنه يقترح إنشاء مؤسسات مناهضة: استبدال IMF بوكالة الأصول الدولية International Asset Agency، والبنك الدولي بوكالة دولية لمساعدة الاستثمار Global Investment Assistance Agency، ومنظمة التجارة العالمية بوكالة التجارة الدولية التي تجعل التنمية قبل التجارة!

 

هذا على مستوى تنظيم الاقتصاد الدولي في تصور مايكل ألبرت، فماذا عن مستوى الاقتصاد المحلي؟

 

أهم عناصر الرؤية الاقتصادية الداخلية في رؤية مايكل ألبرت تتمثل في التالي:

1. يعبر المستهلكون والعمال عن رغباتهم ومصالحهم عبر مجالسهم الديمقراطية، وتتخذ القرارات استنادا إلى معيار التناسب بين درجة التأثر باتخاذ القرار والتأثر بنتائج القرار.

2. يُنظم العمل بناء على مركبات العمل المتوازنة، حيث يؤدي كل عامل توليفة من المهام والمسؤوليات توفر له قدرا من التمكين والمردود يعادل ما توفره توليفات مماثلة يؤديها العمال الآخرون.

3. يُكافئ العاملين بالتناسب مع مشقة العمل وطول فترة العمل، وليس على أساس الملكية أو الموهبة الفطرية أو المهارات أو أدوات الإنتاج المستخدمة.

4. تُخصص الموارد عن التخطيط بالمشاركة، حيث تقوم مجالس المستهلكين والعمال بالتعبير عن تفضيلات المستهلكين وأنشطة العمل في ضوء تقييمهم لمجمل العائد الاجتماعي والتكلفة الاجتماعية.

 

أما عيوب التخطيط المركزي فتكمن في أنه يتجه من أعلى إلى أسفل، ويخلق من الناحية العملية طبقية تناقض النظرية.

 

كما يتناول الكاتب حركة ما يسمى اقتصاد التضامن solidarity economics ولها العديد من المؤيدين في أمريكا اللاتينية (وخاصة البرازيل) وأوروبا وأماكن أخرى، وامتدح نجحت تعزيز العلاقات الاقتصادية التضامنية بين المشاركين بدلا من عمل كل منهم ضد الآخر، ولكنها ما زالت قاصرة لأنها لا تحقق: التنوع، والعدالة والإنصاف المطلق، والإدارة الذاتية.

 

ويتناول الكاتب أيضا مفهوم الموازنة التشاركية participative budgeting الذي تم تطبيقه في البرازيل والهند، وفكرته إيجاد وسيلة للتنظيم المباشر المحلي الذي يُمكن المواطنين من التأثير على القرارات الخاصة بالاستثمارات الجماعية المتعلقة بالخدمات الحكومية، وامتدحه كما قارن بينه واقتصاد المشاركة، قائلا إن الأخير حجمه أكبر ولا يشمل السلع العامة فقط، بل كل السلع، ولا يُيسر مشاركة المستهلكين فقط، بل ومشاركة العمال أيضا.

 

الباب الأول: القيم والمؤسسات

يبدأ هذا الفصل بتعريف ماهية الاقتصاد "نظاما لإنتاج الثرورة وتوزيعها واستهلاكها"، ويُبسط الكاتب المفهوم عبر شرح للقارئ غير المتخصص، وذلك تمهيدا لتناول المفاهيم الأكثر تعقيدا في الأبواب والفصول التالية.

 

كما يتطرق إلى المفاهيم الاقتصادية الرئيسة في نظره: علاقات الملكية، ومؤسسات التخصيص (الأسواق التنافسية، والتخطيط المركزي، والتخطيط الأفقي)، وتقسيم العمل، والمكافأة، واتخاذ القرار.

 

ثم يعرج على أنواع التخطيط الاقتصادي: الرأسمالية، والاشتراكية بنوعيها (ملكية الدولة والتخطيط المركزي)، واقتصاد المشاركة.

 

يطرح الكاتب في الفصل الثاني 4 أسئلة أساسية عن القيم يقول بوجوب الإجابة عليها:

1. العدالة: ما المقدار الذي يجب أن يحصل عليه الناس، ولماذا؟

2. الإدارة: ما نوع السلطة التي يجب أن تكون للناس؟

3. التنوع: هل ينبغي تنويع السبل إلى الإنجاز أم الحد منها؟

4. التضامن: هل ينبغي للناس أن يتعانوا أم يتنافسوا؟ + معيار الكفاءة.

 

وفي الفصل الثالث يتناول الكاتب بالتفصيل أنواع الاقتصادات التي أشار إليها في الفصل الأول ويصدر "حكمه" على مدى تطبيقها للأسئلة الأساسية التي طرحها في الفصل الثاني، إضافة إلى العوامل التالية:

الملكية الخاصة، وتقسيم العمل في النظام الرأسمالي وبصفة خاصة في الشركات، والتخطيط المركزي.

 

أتوقف قليلا عند نقده لاشتراكية السوق، فإن الكاتب يرى أنها تحسين على الرأسمالية لقضاءها على الملكية الخاصة، ولكن هنا طبقة المنسقين تزداد مكانة ونفوذا مستغلة احتكارها النسبي للعمل الذهبي واعتماد اتخاذ القرار للوصول إلى مكانة حاكمة. لقد ذهب الرأسماليون، وبذلك اختفى أهم عامل يؤدي إلى تفاوت الدخل، غير أنه لا يزال هناك تقسيم وحكم طبقي، ولا يزال هناك اغتراب وسوء تخصيص، ولا يزال هناك تقسيم للعمل يسبب لمعظم الفاعلين قدرا من الملل أكبر مما هو مبرر، بينما يحفظ لعدد قليل نسبيا قدرا أكبر من النفوذ والمكافأة.

أما تناوله للاشتراكية المخططة مركزيا، فيصفه بأنه يتضمن وسائل للمخططين وغيرهم من العمال الذهنيين في طبقة المنسقين لدفع مصالحهم لتصبح فوق مصالح العمال.

 

يختم الكاتب التحليل بالقول بأن الرؤية الجديدة (اقتصاد المشاركة) تعالج العيوب في الأنظمة السابقة، قائلا بأن المكونات المؤسسية والتنظيمية الأساسية لها:

- الملكية الاجتماعية بدلا من الخاصة.

- مجالس العمال والمستهلكين المتداخلة ومركبات العمل المتوازنة بدلا من تنظيم أماكن العمل الخاص بالشركات.

- المكافأة على الجهد والتضحية وليس على الملكية والنفوذ والمنتج.

- الإدارة الذاتية المشاركة بدلا من الحكم الطبقي.

 

 

الباب الثاني: الرؤية الاقتصادية المشاركية

بعد أن يطرح الكاتب في الباب الأول المنطلقات المبدئية لنظريته، ينطلق الكاتب في تناوله لموضوع هذا الباب من مبدأين رئيسين في تناول قضية الملكية، فيقول:

1. لا ينبغي لأحد أن يكون له نفوذ غير متناسب لأن له علاقة بامتلاك وسائل الإنتاج تختلف عن علاقة غيره بها.

2. لا يبنغي لأحد أن يكون له دخل أكثر من المعقول، ولا ينبغي لإنسان أن يتلقى أي شيء غير المكافأة حسب الجهد والتضحية، أو حسب الحاجة إذا كان لا يمكنه الحاجة، ولا ينبغي بحال من الأحوال ارتباط دخل أي شخص بامتلاكه لوسائل الإنتاج.

ثم يطرح بشكل تفصيلي النواحي التطبيقية لنظريته:

 

1. مجالس العمال: يقول الكاتب إن ترك القرارات التي تؤثر تأثيرا ضخما على أي مجموعة من العمل لهم ولمجالسهم فحسب، فإن مجالس العمال التي تقوم على مُدخل متساوٍ لكل أعضاء المجلس تضع أفضل تقديراتها التقريبية للإدارة الذاتية.

 

2. مجالس المستهلكين: يشارك كل فرد أو أسرة أو وحدة اجتماعية هذه المجالس، كما تنتمي إلى مجلس استهلاك الحي الأكبر، ثم القسم الإداري بالقرية أو المدينة أو المقاطعة، وهكذا دواليك حتى تصل إلى مستوى الدولة.

 

* ثم يفاضل الكاتب بين الإجماع والأغلبية (الاستثمار في شراء جهاز تدفئة)، وغيرها من وسائل اتخاذ القرار

 

يتطرق الفصل السادس إلى جانب تطبيقي آخر، وهو مُركِّبات العمل، أي توزيع مهام العمل بصورة دورية، وبذلك لا تصبح بعض الأعمال مملة على الدوام، وكذلك نتفادى نشوء طبقة تحصل بالضرورة على أفضلية أو تحكم أكبر في صناعة القرار بسبب حيوية أعمالهم النسبية أو حصولهم على المزيد من النفوذ والمعلومات. (ليس بالضرورة أن يؤدي المهندس عمل جراح المخ مثلا، ولكن ينبغي خلق توزيع دوري يحقق المصلحة والإشباع والمساواة النسبية، ويخضع كل ذلك للاتفاق الجماعي). أيضا مثال العامل في منشأة أبحاث الذي يحتاج إلى أداء أعمل أكثر مشقة لننحو إلى مزيد من المساواة.

 

أما الفصل السابع، فيتطرق إلى المكافأة وكيفية تحقيق العدالة والمساواة في منظور اقتصاد المشاركة. إن المساواة في الاستحقاقات لا تعني بالضرورة الحصول على نفس الامتيازات، ولكنها تعني تحقيق العدالة بحسب الاتفاق من منطلقات تحقيق العدل وتلبية الاحتياجات ومراعاة الموهبة والتدريب والجهد والحاجة.

 

يناقش الفصل الثامن مسألة التخصيص (مثالا بناء حوض سباحة في الحي على النفقة العامة أو من مخصصات الاستهلاك الشخصية لمجموعة ما إذا كانت الأغلبية تعارض المشروع).

 

السؤالان الرئيسان هما: ما إذا كان مبدأ "لكل حسب جهده" عادلا أم لا، وما إذا كان هذا المبدأ الخاص بالتوزيع يتسق مع الكفاءة أم لا.

يجسد الاقتصاد الرأسمالي مبدأ التوزيع الذي يقول "لكل حسب قيمة مساهمته الشخصية ومساهمة ما لديه من أملاك"، أما في اقتصاد المشاركة، فالسبب الوحيد الذي يجعل الناس يحصلون على مستويات مختلفة من الاستهلاك فهو الفروق في جهد العمل (حيث يُقاس الجهد من حيث ساعات العمل) أو الاختلافات في الحاجة في حال وجود ظروف خاصة.

 

يختم الكاتب هذا الباب عن اقتصاد المشاركة بتقييم لما يحققه من عدل وتضامن وتخصيص وتنوع ومحو للطبقية لأن:

1. ليست هناك ملكية خاصة لوسائل الإنتاج.

2. لم يعد ثمة وجود للهيكل التنظيمي الخاص بالشركات، إذ تحل محلها مُركِّبات العمل المتوازنة التي تمحو التمييز القائم على النفوذ أو الدخل.

3. تُحدد المكافأة حسب الجهد والتضحية، فلا توجد طبقة آمرة أو عاملة (لا طبقات أعلى أو أدنى ماليا). الجميع مُنتِج ومستهلك بلا تمييز طبقي.

 

الباب الثالث: الحياة اليومية في اقتصاد المشاركة

يهدف هذا الباب إلى توضيح صورة الحياة اليومية المتوقعة في حال تطبيق اقتصاد المشاركة. يضرب الكاتب مثالا من وحي تجربته العملية (ناشر كتب):

تتم الكتابة والتحرير والتصميم بصورة عامة كما كان عليه الحال قبل اقتصاد المشاركة، ولكن مع استخدام التقنية قدر الإمكان للتقليل من التأثير البيئي السلبي، ولكن فيما يتعلق بالترويج والإعلان عن العناوين سوف يساعد الناشرون المشاركوين القراء المحتملين إذا أرادوا إلقاء نظرة على العناوين، ولن يكون هناك خداع للناس ليشتروا كتبا لن يستفيدوا منها، ولن تكون لدى العمال رغبة في تبديد الموارد أو الطاقة أو الوقت في إنتاج منتجات قليلة الجودة.

بالمثل تشرف إدارة المالية والميزانية على الجدولة حسب الحدود التي يضعها مجلس العمال، ويختلف العمل المالي والموازني عن المعايير الرأسمالية المألوفة في التعامل مع البيانات ونشرها، حيث يحصل العاملون في الإنتاج وبقية العاملين أيضا على أي معلومات تتصل الشركة وليس فقط الماليون أو مسؤولو الترويج.

كما يتم توزيع مهام العمل بين الأفراد على فئتي الأعمال الإبداعية والإنتاجية بمعيار العدل وزيادة الفرص والتأهيل المهني المستمر لتحقيق المساواة.

 

ثم يناقش الكاتب بعض أوجه النقد التي قد تُطرح عن اقتصاد المشاركة:

1. إذا كانت فرص الاستهلاك متكافئة رغم الفرق في الجهد المبذول، فلن يكون لدى الأشخاص سبب لكي  يعملوا بكامل مواهبهم وقدراتهم.

الرد: الجهد متوازن إلى حد كبير، وبالتالي ينبغي موازنة الاستهلاك إلى حد كبير أيضا. أما الاختلافات الفردية في الجهد وبالتالي في الاستهلاك فمقبولة ومتوقعة إلى حد كبير في اقتصاد المشاركة، ويمكن للأشخاص أن يختاروا العمل بقدر أكبر من الجد أو لفترة أطول، أو ربما الشروع في أعمال أشق لم يسبق تخصيصها ولكن لا بد من إنجازها. باختصار، يمكن للأشخاص أن يعملوا أقل ويستهلكوا أقل، أو يعملوا أكثر ويستهلكوا أكثر، وفي كلتا الحالتين يتناسب الأمر مع ما ينطوي عليه ذلك من جهد وتضحية.

 

2. إذا كان الأجر متساويا مقابل الجهد المتساوي، فلا يوجد حافز ليدرب الأشخاص أنفسهم لكي يكونوا الأكثر قيمة من الناحية الاجتماعية.

1. يوجد سبب وجيه للاعتقاد بأن الناس عموما يفضلون التدريب في المجالات التي لديهم فيها موهبة وميل أكبر، وعلينا فقط تجنب الأمور التي تحبط العزيمة. لن يسلك الناس سبلا أخرى للعمل يكونون فيها أقل قدرة على التفوق في عمل ذي مكافأة مالية أكبر لأنه ليست هناك مكافأة مالية أكبر من ذلك في مكان آخر.

 

3. من الصعب قياس الجهد بدقة، بينما لا يصعب قياس النتيجة، ولذا يجب (حسب المفهوم الرأسمالي) ومن الناحية العملية مكأفاة الأداء.

ليس هذا صعبا دائما، فمن تولى مثلا تدريس الطلاب وتقدير درجاتهم يعلم بوجود طريقتين مختلفتين لقياس الأداء: مقارنة أداء الطلاب فيما بينهم (المنتج) أو تقدير مدى الإحسان الذي كان متوقعا من الطالب (الجهد) والتحسن الفردي. وزملاء العمل أيضا يعرفون ماضيك وحاضرك في الأداء.

 

في الفصول التالية يجيب الكاتب على تساؤلات أخرى: هل يضحي اقتصاد المشاركة بالموهبة؟ وهل يضع الجودة بعد العدل؟ هل يفرض اقتصاد المشاركة اجتماعات أكثر من اللازم؟ هل يضحي بالإنتاجية بسبب تحريه للعدل والمساواة بين العاملين؟

ثم يجيب على تساؤل ما إذا كان اقتصاد المشاركة نوعا أو تحويرا جديدا للاقتصاد الاشتراكي، ويفند تلك النظرة موضحا الاختلافات الجوهرية بينهما.

 

يختم الكاتب بتناول مسألة ما إذا كان اقتصاد المشاركة يتناسب وطبيعة البشر (الأنانية، الأخلاق.. إلخ).

 

 

 

 

 

 

 

الجمعة، 11 سبتمبر 2020

 

توثيق التراث الشفهي السوداني- 3

معتصم الحارث الضوّي

SudanDocuCentre@gmail.com

21 مايو 2020

 

تركنا صاحبنا يغادر ديوان النائب العامة بخطوات متثاقلة. وقف تحت شجرة ظليلة في شارع البرلمان يفكر بالأمر، وضاقت الدنيا عليه بما رحُبت، بل وتناشبته مشاعر القنوط، ولكن فجأة أشرقت في ذهنه فكرة:

تأجيل الموضوع حتى.. سقوط النظام!

 

الآن وقد سقط هُبل، حان الوقت لنفض الغبار عن المشروع وإعادته إلى الطرح العام لكي يرى النور، ويجني شعبنا ثماره، ولا يخفى على ذي بصيرة أنه ليس هدفا في حد ذاته، بل وسيلة مثلى لتحقيق غاية نبيلة، ألا وهي توثيق التراث الشفهي الذي يُخشى أن نفقد معظمه إن لم نسارع بالعمل، وتفعيل التواصل الثقافي بين المكونات المتباينة للشعب السوداني، وتصحيح اللُحمة الاجتماعية التي تمزقت شذر مذر، وتجذير الوحدة الثقافية تأسيسا وترسيخا للوحدة الوطنية، إذ لا وحدة وطنية بين أعراق تنظر إلى بعضها البعض بدونية مقيتة، ولا حديث عن تنمية شاملة -ننشدها جميعا- والمواطن يخضع أينما حل وذهب للتصنيف والمواقف المسبّقة بناء على لغته وعرقه وثقافته، ولا سلام دون فهم الآخر والقبول به، ولا نهوض إلا بخلق أمة تتجانس وتتكامل اجتماعيا ومعرفيا في إطار فسيفساء رائعة من التنوع.

 

لقد طرح صاحبنا منذ عدة شهور فكرة أوّلية أسماها "ثالوث الانعتاق"، ومفادها بأن الحل الناجع للمشكلة المعقدة التي تعانيها بلادنا يقتضي العمل الدؤوب والمتزامن على ثلاثة محاور؛ الإعلام والتعليم والمجتمع المدني، ولعمري أن إنشاء مركز سوداني أهلي لتوثيق التراث الشفهي إحدى السبل التي تسعى على المحاور الثلاثة من أجل نهضة البلاد ورفعة أهلها.

 

إن العديد من الجهات تبذل جهودا مضنية لرصد التراث وتوثيقه، وتشمل دار الوثائق القومية السودانية، ومركز الدراسات السودانية، والمكتبة الوطنية السودانية، ومكتبة جامعة الخرطوم، ومعهد الدراسات الإفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم، ومركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية بجامعة أم درمان الأهلية، ومكتبة الإذاعة والتلفزيون، وغيرهم كثير.

 

أما المركز الأهلي المقترح لتوثيق التراث السوداني الشفهي ففكرة تسعى إلى التعاون الوثيق مع تلك الجهات؛ لتتكامل الجهود ويتضافر العمل، خاصة وأن ذاكرة بلادنا تحمل من الذخيرة الثقافية والمعرفية غير الموثقة ما ينوء برصده وتوثيقه جهة بذاتها، ومهما تعاظمت إمكانياتها المالية والبشرية.

 

هنا أُذكرُ بتجارب الشعوب الأخرى التي أدركت أهمية التوثيق وحققت عبره إنجازات ضخمة في خلق أمم متجانسة؛ يدرك كل من مكوناتها ثقافة الآخر، ويوقرها، ويحتفظ لها بمساحتها المرموقة في الثقافة الجمعية للشعب.

 

أمامنا تجارب الهند وماليزيا وأمريكا وغيرها من الشعوب التي سعت، وما تزال، لإنشاء الأوطان عبر بوابة التعزيز للوحدة الوطنية، والتي تستند بدورها إلى ثقافة معرفة الآخر واحترامه في دولة التعايش الحضاري النبيل.

 

بعد سقوط النظام الأسوأ على مر التاريخ أمامنا الآن فرصة فريدة لنبني وطنا "وفق ما نهوى"، فلا مكان الآن للتسويف والتأجيل، بل الوقت للعمل وفق استراتيجيات مدروسة، وخطط تنفيذية عقلانية.

 

انتهى الحديث هنا، ولنبدأ العمل.

 

مرحبا بكم (على البريد الإلكتروني أعلاه، ولاحقا عبر وسائط أخرى) للتواصل الثر والتفاكر الإيجابي، ولنضع أيدينا معا من أجل بناء الوطن المنشود.

 

 

رابط النشر على المدائن بوست

https://almadayinpost.com/2256.html

 

 



توثيق التراث الشفهي السوداني- 2

معتصم الحارث الضوّي

14 مايو 2020

 

تنامى شغف صاحبنا، بل هوسه، بالتوثيق، وتفاقمت الحال بعد أن بدأ العمل بالصحافة والإعلام، فحرص على استنطاق أي شخص يحمل إرثا شفهيا، وسعى بصورة محمومة لتوثيق الأحداث والمناسبات.

 

كُللت بعض تلك الجهود بالنجاح، فرصد حياة الروائي الراحل أحمد إبراهيم الفقيه، وبالكتابة –بمساعدة بعض الأصدقاء- طرفا من حياة الراحل حاج سعيد كسباوي رحمه الله، وحفنة من السياسيين العرب.. إلخ.

 

ذات أيام ماطرة في يوليو 2010 وصل صاحبنا إلى السودان وهو يحمل أوراقا سطرّت أحلامه، وتضمنت رؤيته لمشروع توثيقي طموح، وسبقها اتصالات واجتماعات عديدة أجرتها لجنة تمهيدية لإنشاء "المركز السوداني للثقافة والتوثيق"، وكان معظم أعضاء اللجنة من مرتادي موقع إلكتروني أدبي أنشأه صاحبنا سنة 2008 بعنوان "قافية وحرف سوداني".

 

تتابعت الجهود، وتطوّع الصديق طارق الأمين، الكاتب والشاعر والمخرج والممثل والناشط الحقوقي، بأن يستضيف "بيت الفنون" جلسة تشاورية، وبالفعل اجتمع العقد الفريد مساء 19 يوليو 2010، بحضور رفيع، تضمن محمد طه القدال، وعبد الغني كرم الله، ومحمد إسماعيل الرفاعي، وياسر فائز، وعماد الدين موسى، وجعفر بدري، وعمر حسين ديكو، وعثمان أحمد سعيد، ومحمد الأمين النور، وطارق الأمين، وحاتم الكناني، والهادي راضي، ونهال بن إدريس، وغيرهم كثر.

 

تداول الحضور حتى ساعة متأخرة من تلك الأمسية الخريفية، وأجمعوا على رسالة المركز: توثيق التاريخ الشفهي والفلكلور؛ وإنتاج الأفلام الوثائقية عن التاريخ والجغرافيا والإنسان السوداني؛ وإصدار وتحديث موسوعة الشخصيات العامة السودانية  Who’s Whoإلكترونيا وورقيا؛ ومشروع ترجمة أرشيف السودان بجامعة درم Durham البريطانية، وغيرها من وثائق التاريخ السوداني الموزعة خارج البلاد؛ وتأسيس إذاعة مخصصة لشؤون الثقافة، على أن تكون في المرحلة الأولى على شبكة الإنترنت، ثم تتحول إلى إذاعة أرضية حال توفر الإمكانيات المادية.

 

انطلق صاحبنا فرحا بعد هذا الدعم المعنوي الكبير، وطرق أبواب مسجل الجمعيات الثقافية لدى وزارة الثقافة والإعلام، واستمعت إليه السيدة المسؤولة، وهي تُعالجه بنظرات بيروقراطية متعالية، ثم أخبرته أن الخيار الأفضل هو التسجيل لدى ديوان النائب العام!

 

احتقب صاحبنا أوراقه، ومسح ما علق بكرامته من تراب بعد سقوطها على الأرض، وأسرع إلى الديوان المذكور، وبعد أن شرح هدفه مطوّلا لأحد الموظفين، قابلته رئيسة أحد الأقسام، وكانت بحق متعاونة. أصغت إلى تفاصيل المشروع وهي تهزُ رأسها موافقة، ثم أنبئت صاحبنا بأن المسؤولة في وزارة الثقافة والإعلام كانت على حق، ولكنها صححت المعلومة جزئيا، قائلة إن التسجيل لا يحدث لدى إدارتهم، بل في رئاسة مجلس الوزراء!

 

أُصيب صاحبنا بالذهول، وسألها بصوت يتحشرجُ عن السبب، فأجابت بتعاطف بأن طبيعة المشروع قد تتقاطع في المستقبل مع جهاز الأمن، ولذا يُفضّل المسؤولون وضع هذا النوع من المشاريع "الخطيرة" تحت نظرهم المباشر، وقالت لصاحبنا إن الأمر يسير إذا كانت مواقفه السياسية مواتية من النظام، فأجابها أن الوضع على النقيض تماما، فأطلقت ضحكة متشائلة، وقالت: في هذه الحال لا تكلف نفسك عناء المشوار!

 

للمرة الثانية خلال ذلك اليوم، سحب صاحبنا أرجله متثاقلا في شوارع الخرطوم، وقرر تأجيل المشروع حتى حين!

 

للحديث بقية...

https://almadayinpost.com/2229.html

 

 

 


   

 

توثيق التراث الشفهي السوداني- 1

معتصم الحارث الضوّي

7 مايو 2020


المكان الحصاحيصا، والزمان النصف الثاني من السبعينيات.

كان كاتب هذه السطور يشتري دفاتر زهيدة الثمن ثم يُسرع للجلوس إلى جدته. كانت رحمها الله أُميّة، ولكنها امتازت بذاكرة قوية للغاية.

كانت تشعرُ بالسعادة وهي تُملي على حفيدها قصائد الشاعر ود الفراش، وكثير منها لم يرد في ديوانه كما اتضح حينها، وكانت ترد بصبر على استفساراته بخصوص معاني الكلمات التي اندثرت، وتصف أماكن وأسباب إلقاء القصائد، وأسماء من حضروا.

كانت تستطرد، على الطريقة الجاحظية، وهي تصف الحياة في مطلع القرن العشرين في بربر، وتورد أسماء الأسر التي قطنت المنطقة، وتتحدث عن الوقائع الاجتماعية والاقتصادية وعيناها تأتلقان حماسا، وتدقق بوصف السنوات الأوائل من عمر الاحتلال وكيف تأقلم سكان المدينة إزاءه، وكان لها شغف بالغ بوصف العادات والتقاليد والأمثال والحكم الشعبية، وتُعرّج بطبيعتها المرحة على الألغاز والفوازير، مستعينة بذاكرة فولاذية لم تتأثر بكبر السن.

اقفز معي يا عزيزي القارئ إلى مطلع الثمانينيات، وتوجّه معي إلى الكلاكلة، حيث أقام شقيق جدتي رحمه الله، ويبدو أن قوة الذاكرة كانت صفة جينية لدى الأسرة، إذ كان يسرد للكاتب الأحداث الشخصية والعامة التي وقعت في شبابه، ومن ضمنها انتقاله في مطلع العشرينيات إلى مكة المكرمة للإقامة والعمل، وكيف شارك أحد الموسرين في تجارته، والذي أعجب بتدينه وأمانته فعرض عليه أن يُزّوجه إحدى بناته ويستقر عندهم، ويقول ضاحكا إن الحنين إلى أهله اشتد بعد سنتين تقريبا، فعاد إلى السودان وتزوج إحدى قريباته، وكانت الثمرة الأولى لزواجهما الدكتور الراحل أحمد محمود عباس؛ أول طبيب سوداني على الإطلاق يتخصص في الفحوصات الطبية من جامعة لندن سنة 1956.

 كان محمود عباس رحمه الله صاحب ذاكرة نادرة، فنقل إلى ذلك المراهق -الذي كانت عيناه تتسعان بالدهشة- حوادث الزمان بالتفصيل الدقيق، والتحليل العميق للظواهر الاجتماعية والسياسية، مع عناية خاصة بالأوضاع الاقتصادية بحكم مهنته تاجرا، وما شهدته البلاد من ضنك العيش أثناء سنوات الفيضانات الكبرى، وعلى رأسها فيضان 1946، وكان يحلو له ذكر عبد العزيز داود الذي عمل صبيا في متجره ببربر قبل أن يشتهر فنيا، وللمودة القديمة حرص على السكن بجوار محمود عباس في الدناقلة عندما انتقل كل منهما إلى العاصمة.

 لم يتوقف عند ذكرياته الخاصة، بل نقل عن والده ذكرياته عن العهد التركي، ثم المهدية وتجبّر الجهادية الذي ساموه وغيره من العوام سوء العذاب، ومجاعة سنة 1306 هجرية التي كان يسهب في وصف بشاعتها وأهوالها، ثم دخول الاحتلال البريطاني، وما عايشته بربر أثناء تلك المراحل من تغيرات اجتماعية كان شاهد عِيان عليها، وهو الذي عمّر طويلا، وتوفي في نهاية الستينيات عن عمر يناهز المئة وخمسين سنة!

 حوت الدفاتر بين دفتيها كل ذلك وأكثر مما تساقط من ثقوب الذاكرة، وحرص الكاتب على الاحتفاظ بها في مكان آمن، فأودعها مخزنا في البيت الكبير للأسرة بحي الختمية بحري.

 ذات أيام ممطرة، تسللت المياه أثناء فيضان 1988، واقتحمت المخزن الذي ضم "كراكيب" كل أفراد الأسرة، وبلؤم لا يعرف الرحمة، قضت على تلك الدفاتر!

 

للحديث بقية...

 

 

 

الجمعة، 16 نوفمبر 2018

القواعد الذهبية في استخدام الواتساب (للسودانيين)



القواعد الذهبية في استخدام الواتساب (للسودانيين)

معتصم الحارث الضوّي
18 أكتوبر 2018

منذ انطلاق الواتساب سنة 2009 انتشر بسرعة هائلة ليتجاوز عدد مستخدميه المليار ونصف المليار حاليا (منتصف أكتوبر 2018)، وذلك لسهولة استخدامه وما يقدمه من خدمات تواصلية رائعة، ولكن بطبيعة الحال فإن الكثير من المستخدمين السودانيين يقعون في أخطاء أو هفوات تتصل باستخدامه –خاصة في المجموعات والتي سنركز عليها هنا- وتؤدي إلى شعور الكثيرين بالغضب نتيجة للهدر الهائل في زمنهم بسبب آخرين لا يكترثون على سبيل المثال للنقاط التالية:

1. لا تضف أحدا إلى مجموعة دون الحصول على إذن مسبق. كثيرا ما أدى ذلك لمشكلات بين أصدقاء أعزاء!
2. كن دقيقا في كلامك لكي لا يُفسر بأنه استهزاء أو سخرية.. إلخ. وإذا تطلب الأمر استخدم الوجوه المعبرة (الإيموجي) التي يفهمها كل الناس لتوصيل وجهة نظرك أو طبيعة كلامك (جاد، مازح، متسائل.. إلخ) بوضوح لا يدع مجالا للشك.
3. اعلم أن الأخبار السياسية التي ترسلها (مقتطفات عناوين الصحف مثالا) تصل إلى كل المجموعات والأشخاص الذين تعرفهم، ولذا ليس من الضروري أن تُضيع وقت الآخرين بإرسالها إلى حساباتهم الخاصة أو المجموعات التي تضمكم.
4. إذا نشرت ملفات صوتية، اكتب تعريفا مختصرا عن كل ملف. مثالا: أغنية المصير- إبراهيم عوض، لكي يقرر المتلقي ما إذا يرغب بسماعها أو يحذفها مباشرة، وكذلك الحال بالنسبة لملفات الفيديو. مما يزعج الناس كثيرا أن يجدوا مجموعة من الملفات الصوتية مرسلة إلى حساباتهم الشخصية أو المجموعات التي ينتمون إليها دون تعريف، وبالتالي يضطرون إلى الاستماع إلى كل ملف على حدة ليقرروا ما إذا كانوا يودون الاستماع إلى المادة/ الاحتفاظ بها أم لا. هذا يضيع الكثير من الوقت ويصيب الكثيرين بالغضب.
5. اختصر في الكلام بالقدر الذي يجعله واضحا، ولا تُطل! الوقت من ذهب، والناس لديها مسؤوليات عمل وأسرية. لا تخلط بين الفيسبوك الذي يدخله الناس لقضاء/ إضاعة وقت في الاطلاع على ما يهم وما لا يهم وبين الواتساب الذي يُعد وسيلة للتواصل السريع بين الناس.
6. إذا كنتً في مجموعة فلا تشغل أعضائها الآخرين بالتحيات و"الونسة" الجانبية بينك وشخص آخر. هذا تصرف فيه إضاعة لوقت الآخرين وعدم احترام لمشاعرهم ويشير إلى قلة الذوق!
7. إذا كنتَ تكتب رسالة على إحدى المجموعات، فاكتبها على دفعة واحدة، وليس مقبولا أن تكتب كل كلمة أو كلمتين في رسالة مستقلة. هذا يثير الغضب تجاهك علاوة على أنه يضيع زمن الآخرين عندما يضطرون إلى مسح رسائلك المتعددة!
8. كن لبقا وانتبه إلى مشاعر الآخرين. لا تستخدم لغة عنيفة أو مستفزة، وإنما راع قواعد اللباقة والحديث.
9. إذا كانت بينك وشخص آخر في مجموعة عداء أو خلاف، حاول قدر الإمكان تجنب توجيه الحديث المباشر إليه أو حتى "المطاعنة" لأن ذلك سيجعل الجو متوترا بالنسبة للجميع. اجعل شعارك التجاهل، وإذا ما حاول الطرف الآخر استفزازك وجرك إلى مشاحنة لفظية خاطبه بوضوح واختصار قائلا إنك تحترم زمن ومشاعر الآخرين، ولا ترغب في إدخالهم أطرافا في المشكلة بينكما. ستحظى باحترام الجميع لرجاحة عقلك وأدبك.
10. إذا كنتَ عضوا في مجموعة وأُرسلت إليها أي مادة، فلا يوجد داعي لأن ترسلها إلى شخص آخر من نفس المجموعة في رسالة خاصة، فهو بالفعل قد اطلع أو سيطلع عليها. من المفهوم أنك تود إشعاره بأنه عزيز أثير لديك، ولكن في ذلك إضاعة لوقته.
11. لا تُغرق المجموعات أو حتى أصدقائك بكثرة الرسائل، فالناس مشغولة وستشعر بالسأم منك في البدء، والذي سيتحول تدريجيا إلى عدم رضا، وربما يحذفك شخص من قائمة اتصالاته. احترم وقت ومشاعر الناس!
12. اللباقة قبل كل شيء! إذا كانت المجموعة تناقش موضوعا جادا أو حزينا فلا تخرج عليهم فجأة بنكتة! والعكس صحيح. هذا منتهى السماجة.
13. انتبه قدر الإمكان إلى أخطاء الطباعة سواء كنت تكتب بالعامية أو بالفصحى أو بخليط منهما. الهفوات الإملائية قد تكون سببا في سوء تفاهم عميق بين الناس.
14. "المكاواة" (أي المزاح الخشن) الفايتة الحد في المجموعات سبب في الزعل وربما القطيعة بين الناس. تمتع ببعض الوقار وما تخفف دمك أكثر من اللازم!
15. لا تنقل المواد خارج المجموعة إلا إذا كانت ذات صبغة عامة، مثالا أخبار عامة. لا تنقل ما يقوله فلان أو علانة خارج المجموعة. هذا خطأ كبير وشائع وأدى بالفعل إلى مشكلات اجتماعية وسياسية.. إلخ ضخمة في المجتمع السوداني.
16. تحاشى الكتابة/الصورة/الملف الصوتي/ الفيديو الذي يحتوي ألفاظ خارجة، أو مشاهد مروّعة، أو أصدرته مجموعات إرهابية.
17. وظيفة الإشراف على مجموعة ليست تشريفا وإنما تكليفا. تعامل مع هذا المقولة بوعي وإدراك ومسؤولية، ولا تستخدم الصلاحية الممنوحة لك بشكل متجبر أو غير عقلاني. لا تنس أن الناس اختارتك لإدارة المجموعة لأنهم يعتقدون أن عقلك راجح، فلا تخيب ظنهم بتصرفاتك الطفولية وعدم نضجك!
18. قبل أن تنقل مادة إلى مجموعة رجاء حارا تأكد من أنها لم تُنشر بالفعل! الآخرين ليسوا مجبورين على تحمل إضاعتك لزمنهم فقط لأنك كسول ولم تطلع على ما نُشر بالفعل على المجموعة.
19. الدنيا ليست هزلا فقط! انشر النكت والمواد المرحة، ولكن لا تنس أن تنشر أيضا مواد مفيدة للآخرين ترتفع بمستواهم الثقافي.
20. إذا كنتَ تنشر مواد دينية، فانتبه إلى عدم الإفراط في ذلك حتى لا تسبب الملل للآخرين، وتصبح أخطأت من حيث أردتَ أن تُحسن صنعا!
21. في انتقائك لمواضيع الحوار على المجموعات، حاول أن تختار مواضيع تشد انتباه كل أو معظم الأعضاء. مثالا إذا كان عدد بسيط فقط من أعضاء المجموعة مهووسين بكرة القدم، فلا تفتح الموضوع وتجعل الآخرين يشعرون بأنهم مهمشين!
22. الكلمة الطيبة صدقة. خاطب الناسب بأحب ما يريدون سمعه دون أن تقع في التملق.
23. إذا دخلت في مناقشة واحتدت -مناقشة سياسية مثلا- فاحتفظ بمساحة من الاحترام والود للشخص الذي يناقشك دون أن تقع في الإساءة اللفظية أو الجرح بكلمات خادشة للكرامة أو الحياء. إذا رأيتَ أن النقاش يتجه هذا المنحى، خاطب الشخص الآخر بعبارة مؤدبة، مثالا: يبدو أنك لن تقتنع برأيي، وأنا كذلك بصراحة لم أقتنع برأيك، ولذا فإن هذا النقاش غير مفيد. أرجو أن نتوقف عنه فورا ونحافظ على احترامنا ومودتنا كل للآخر. هذا هو التصرف الحضاري الذي يجب أن تتخذه.. من فضلك!
بهذه الطريقة تكسب احترام الشخص الآخر وكل المجموعة، كما أنك تكسب أيضا شيئا أهم بكثير.. احترامك لنفسك!


هذه دعوة للرقي والتصرف الحضاري، والله من وراء القصد.


صحافة الباذنجان: المتأنقذون مثالا



صحافة الباذنجان: المتأنقذون مثالا
معتصم الحارث الضوّي
11 فبراير 2018

في حكاية تاريخية متواترة السرد، قال الأمير الشهابي لخادمه يوماً: تميل نفسي إلى أكلة باذنجان، فقال الخادم: الباذنجان! بارك الله في الباذنجان! هو سيد المأكولات، شحم بلا لحم، سمك بلا حسك، يؤكل مقلياً ويؤكل مشويا، يؤكل كذا ويؤكل كذا.
فقال الأمير: ولكن أكلت منه قبل أيام فنالني كَرْب، فأجاب الخادم: الباذنجان! لعنة الله على الباذنجان! فإنه ثقيل غليط نفّاخ.
فقال الأمير: ويحك ! تمدح الشيء وتذمُّه في وقت واحد؟! فقال الخادم: أنا خادم للأمير يا مولاي لا خادم للباذنجان، إذا قال الأمير نعم قلتُ نعم، وإذا قال لا قلتُ لا.

نعودُ إلى حاضرنا المقيت، لنكتشف أن الأنظمة الديكتاتورية التي لا يمكن وصفها بالخيال الخصب لم تُغيّر من التكتيكات كثيرا، فما زال خادم الشهابي (بمعناه العصري: الصحفي الباذنجاني)؛ متصدرا الساحة للتطبيل، حاضرا للتبرير، متأهبا للفُحش، لا يتورع للحظة عن استخدام سهامه المسمومة ليهاجم كل من يشتمّ الخلاف معه، وإن كان الشعب نفسه!

ابتلانا الله بمثل هؤلاء "المتأنقذين" من الصحفيين منذ اللحظات الأولى لغياب شمس الديمقراطية، فعلا صخبهم، وارتفعت أصواتهم الكاذبة منذ عهد صحيفة "الإنقاذ الوطني" التي ذهبت غير مأسوف على شبابها، ولم تتوقف الماكينة عن تفريخ أجيال جديدة منهم عبر ثمانية وعشرين سنة من عمر نظام القتلة واللصوص، عجّل الله في سقوطه المحتوم.

اقرأ -يا رعاك الله- بعض الأمثلة الصارخة!

(((يدهشني – وهذه شهادة عميقة وخالصة لله – تواضع وبساطة وشعبية الرئيس "البشير" بحيث إنني وكثيرين من زملائي ومعارفي في الوسط الإعلامي وغيره من الأوساط لا يستطيعون أن يتبسطوا كما يتبسط مع الناس الرئيس "البشير"!!
...
إنه زعيم استثنائي.. (شعبوي) بحق وحقيقة.. متواضع بتلقائية عجيبة.. محبوب رغم معاناة الشعب.. ومقبول بكثافة مدهشة – والقبول من الله – في زمن عزَّ فيه قبول الآخر حتى بين أفراد أسرة محدودة العدد!! ... هذا الرئيس (هبة من السماء) تماماً كما قالها الشيخ "الترابي" ...)))
الكاتب: الباذنجاني الهندي عز الدين، والمبكي المبكي في الأمر أن عنوان عموده "شهادتي لله"!!

كما كتب باذنجاني آخر (ضياء الدين بلال) في مقالة عنّونها "لماذا لم يثر الشعب؟!!" في يناير 2018 قائلا:
(((السؤال: لماذا لم يستجب الشعب السوداني رغم قسوة القرارات لدعوة الحزب الشيوعي والقوى السياسية المعارضة؟! الإجابة: للشعب السوداني ذاكرة سياسية يقظة، ومقدرة على التحليل والاستقراء؛ عرف أن الأحزاب الداعية للتظاهر لا تعنيها الأسعار، هي فقط تحاول استغلال الحدث لإسقاط النظام! وكلما تذكَّر الشعبُ أن أحزاب المعارضة تطرحُ نفسها كبديلٍ للنظام الموجود، عزف عن الخروج، واحتمل ما يعانيه في انتظار فرج قادم، عشم المضطر.)))

كما كتب باذنجاني ثالث، الطيب مصطفى، ويحلو لشعبنا تسميته بالخال الرئاسي في ديسمبر 2017، قائلا:
(((... استفتاء أجرِي في مجتمع البنات حول قانون النظام العام كشف عن أن (80)% منهن يؤيدن ذلك القانون كما أن استطلاعاً آخر للرأي بين قراء صحيفة (التيار) أثبت أن أكثر من (95)% منهم (أكدوا رغبتهم في بقاء قانون النظام العام مع إصلاح وسيلة تنفيذه))).

ما تقدم محض أمثلة فحسب، والقائمة تطول كما تعلمون!

إن قطاع الصحافة والإعلام باعتباره من أهم صُنّاع الرأي العام، وخاصة في بلد يستشري في أوصاله داء الأمية العُضال، يجدر أن تخضع منطلقاته ومناهجه وآلياته لمراجعة شاملة عندما يسقط نظام القتلة واللصوص، وهذه مهمة ملقاة منذ الآن على عاتق الصحفيين والإعلاميين والقانونيين والمعلمين، وكل من يتصل عمله المتخصص بصياغة الأمة والارتقاء بعقلها الجمعي.

جانب فائق الأهمية من ذلك هو محاسبة الباذنجانيين -بالعدل والإنصاف- على ما ارتكبوه بحق الوطن والمواطن من جرائم معنوية وفكرية بشعة، والتأسيس لمنظومة صحفية وإعلامية على نهج سليم يُسهم في نهضة الوطن إلى المرتبة والمكانة التي ننشدها جميعا.

إن ذاكرة الشعب السوداني لا تنسى، والتوثيق لكل ترهات الباذنجانيين وأكاذيبهم عبر العقود الماضية لم يتوقف للحظة، وساعة الحساب العادل آتية لا ريب فيها، وحينها سيندم أصحاب "شهادتي لإبليس" حين لا ينفع الندم!


بعد إسدال الستار
قيل لإعرابي: ما تقول في الباذنجان؟ فقال: أذناب المحاجم وبطون العقارب وبذور الزقّوم، فقالوا له: إنه يُحشى باللحم فيكون طيباً، فأجاب: لو حُشي بالتقوى والمغفرة ما أفلح!


هل ثمة حاجة لليبرالية في واقعنا العربي




هل ثمة حاجة لليبرالية في واقعنا العربي!
معتصم الحارث الضوّي
23 يناير 2018


يُنظر إلى الليبرالية في الوطن العربي نظرة ريبة وتشكيك، وأنها منظومة فكرية غير ذات جدوى.
هل يكفي هذا تبريرا لصيغة التعجب في العنوان؟

دلالة المصطلح؛ "الليبرالية"، مشتقة من liberal، أي "متحرر" باللغة الإنكليزية؛ المذهب الفكري الذي يمجد الحرية الفردية، ويطرح نظرية مفادها أن وظيفة الدولة حماية حريات الفرد المطلقة بالحد الأقصى، ولذا تقول أدبياته الكلاسيكية -في المقابل- بالتضييق على السلطة والتقليل من دائرة نفوذها، وإبعادها عن الاقتصاد قدر الإمكان، ثم يتجاوز ذلك إلى مرحلة خطيرة تجعل الفرد في مقابل الإله.

تقول الموسوعة الأمريكية الأكاديمية "إن النظام الليبرالي الجديد (الذي ارتسم في فكر عصر التنوير) بدأ يضع الإنسان بدلا من الإله في وسط الأشياء، فالناس بعقولهم المفكرة يمكنهم أن يفهموا كل شيء، ويمكنهم أن يطوروا أنفسهم ومجتمعاتهم عبر فعل نظامي وعقلاني".

كما يرى جون ستيورت مل، الفيلسوف الإنكليزي بخصوص المعتقدات الدينية: "لا أقول إن الاعتقاد بصـدق العقيـدة مـدعاة للعصـمة، بل ما أقولـه إن ادعـاء العصـمة معنـاه إجبـار الغـير علـى قبـول مـا نـراه في العقيـدة دون أن نسـمع رأيه فيها، ولا أستطيع أن أدعي العصمة حتى وإن كانت لحماية أعز معتقداتي".

نشأت الليبرالية عبر قرون باجتهادات للعديد من المفكرين، على رأسهم، حسب الترتيب الزمني؛ جون لوك، وجان جاك روسو، وجون ستيورت مل، وفي الليبرالية الاقتصادية يرجع الدور الأعظم في التأسيس إلى آدم سميث، وباعتبارها منظومة فكرية تبلورت عبر قرون من الزمان، وإسهامات للكثيرين، فقد امتد نطاقها إلى مختلف المجالات؛ الدين والاجتماع والفكر والاقتصاد والسياسة، وإن كان حجر الزاوية لها ونقطة الالتقاء بين جميع منظّريها الإيمان بالحرية الفردية المطلقة، مع مراعاة عدم الاعتداء على حريات الآخرين.

على الصعيد العربي المحض، ثمة اختلاف بين المؤرخين بخصوص مدى تأثر عبد الرحمن الكواكبي بالتيار الليبرالي الغربي، ولكن كاتب هذه السطور يميل إلى الرأي الذي يشير إلى أن فكره كان أصيلا غير متأثر بالليبرالية، بل إن عوامل منهجية وشخصية قد أدت إلى تطويره لأفكاره التي صاغت الفكر العربي الحديث بشكل كبير، وخاصة تنظيره الرائع عن الاستبداد، ودفاعه عن الحرية في مقابل الطغيان باعتبار السبب الرئيس في التخلف الذي يستشري في جسد الأمة.

كان لجمال الدين الأسد آبادي (المعروف بالأفغاني)، الزعيم الماسوني الكبير، دور رئيس في التأسيس الحقيقي لليبرالية في الوطن العربي، فقد صدح بآراء تتسربل حُلة الليبرالية، ولكنها في غاية التطرف الفكري ضد الإسلام، ولذا فإن تلميذه النجيب، محمد عبده، سعى إلى تقديم آراء توفيقية معتدلة غير مصادمة للمجتمع المحافظ، ولكن محاولاته في هذا الصعيد لم تسفر عن النجاح المنشود، وذلك بخلاف نجاحات أخرى حققها على صعيد تطوير الخطاب الديني بنزاعة حداثية ملحوظة.

لكن الدور الأعظم في تجذير الفكر الليبرالي كان لأحد طلبة محمد عبده؛ أحمد لطفي السيد، والذي تحولت جريدته "الجريدة" الصادرة عام 1907م، إلى مدرسة دعوية للفكر الليبرالي، وعلى صفحاتها برزت أسماء أكبر رموز التيار الليبرالي كطه حسين، ومحمد حسين هيكل، وعباس محمود العقاد، والشيخ مصطفى عبد الرازق.

لجأ هذا التيار إلى نشر الفكرة عبر العمل الثقافي والفكري، وأيضا عبر المساهمة الفاعلة في أجهزة الدولة، فتولى أحمد لطفي السيد وغيره مناصب رفيعة في الوزارات والجامعة المصرية، وكان لهم بصمات ضخمة لا يمكن نكرانها.

شهد هذا التيار الليبرالي، والذي اتسم معظم عطائه الفكري بالعداء الصريح، أو على الأقل عدم تناول الإسلام، تراجعا ملحوظا بدء من النصف الثاني من الأربعينيات من القرن المنصرم، بعد أن علا كعب الفكر القومي، وكانت أدبياته قد ركزت منذ العشرينيات على النقد الحاد للنزعة التغريبية الحادة التي اتسمت بها الأفكار الليبرالية المطروحة في الدول العربية.

رغم ذلك، لم يتوقف التأثير الفاعل للفكر الليبرالي، فقد كانت صحيفتا "النهار" و "الحياة" اللبنانيتين على سبيل المثال، تنشران خلال الفترات اللاحقة، وبشكل دوري، ترجمات عن الفكر الليبرالي الغربي، وتستعين بها لمهاجمة الفكر القومي، والتقدمي بشكل عام، في خدمة واضحة للمشروع الغربي المعادي للتحرر العربي، والمعادي للمعسكر الشرقي.

خبا نجم الليبرالية العربية، ولكن جذوتها لم تنطفئ، فقد ظهرت إلى الوجود بقوة منذ نهاية السبعينيات، إثر التدهور الكبير الذي عاناه المشروع القومي والماركسي أيضا، فكان لا بد للقوى الغربية من طرح أكثر من بديل؛ الحركات الإسلامية، وعلى رأسها الإخوان المسلمين، والحركة الليبرالية، فأصبحتا رأسي التنين الذي يحاول التهام الأمة العربية.

لكن تلك النسخة الجديدة من الليبرالية العربية كانت -كسابقتها- مجرد محاولة مشوهة لاستنساخ التجربة الغربية، وإسقاطها على واقعنا عظيم الاختلاف، والواقع أنه يصعب، بشكل مطلق، الحديث عن وجود فكر عربي ليبرالي، حيث لم ينتج نظرية معرفية متكاملة، أو آليات منهجية لتحليل الواقع العربي الشائك، بل هو نسخة هزيلة -تدعي الأصالة- من منظومة فكرية غربية نشأت في ظروف زمكانية واجتماعية تختلف أيما اختلاف عن واقعنا.

أما التيار الأحدث عربيا لليبرالية، المسمى "الليبراليون الجدد"، ويتزعمه شاكر النابلسي وسيار الجميل.. إلخ، فلم يتوقف عند الطروحات القديمة، بل أضاف إليها الكثير من الملفوظ عربيا وإسلاميا وعالمثالثيا، مثال الانقياد المطلق للولايات  المتحدة، والتبرير لجبروتها وتعدياتها على القانون الدولي، وإيجاد المسوغات لإجرام العدو الصهيوني، والدعوى الصريحة للحرية الجنسية المطلقة، والقائمة تطول.

أدى الزواج الكاثوليكي ما بين السياسة والاقتصاد في الليبرالية الغربية بنسختها الأحدث إلى نشوء الرأسمالية المتوحشة التي تجلت في أبشع صورها لاحقا في العولمة، وشعارها المقيت: ما يفرزه السوق صالح، أما تدخل الدولة فهو طالح.

هل ثمة حاجة للقبول بذلك في واقع عربي؟
لا بالطبع.

لكن الإجابة على التساؤل المحوري في عنوان المقالة هي الإيجاب، فثمة حاجة لفكر ليبرالي مُعقلن، يستلهم تراكم الفكر العالمي والإسهامات العربية، ويتأسس على قيم ومنطلقات فكرية وحركية تراعي الخصوصية العربية والإسلامية، وتتفاعل مع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في دولنا المأزومة بمنظور عقلاني، وتطرح من المبادئ والأُطر العامة ما يجعلها جاذبة غير مُنفّرة، وصالحة غير طالحة، ووطنية/ قومية غير متعولمة، وإثراء وليس حربا على ثوابتنا الأصيلة.


اللغة العربية بين الرضاب والصعاب



3 مارس 2018

في الثالث من سبتمبر 2016، وضعتُ استطلاعا للرأي على حسابي في تويتر:
هل يمكن أن يفهم طلاب المدارس الأجنبية في الدول العربية شطر البيت التالي "اطفئ لظى القلب بشهد الرضاب"، فأجاب 1614 مشاركا.
9% قالوا نعم
75% أجابوا بلا
16% قالوا إنني متحامل عليهم

أما آراء السبع وثلاثين شخصا الذين علّقوا فاتفق معظمها بأن معظم طلاب المدارس، بل والجامعات، وبل وكليات اللغة العربية، لن يفهموا هذا البيت الرائع من قصيدة "رباعيات الخيام" لعمر الخيّام، بترجمة أحمد رامي، وغناء السيدة أم كلثوم.

أرجع البعض السبب إلى ضعف المدارس، وقال آخرون إن السبب هو اختفاء المُعلم الذي يعشق اللغة، وأشار نفرٌ آخر إلى ضعف المناهج التي تُحبّب التلميذ بلغته، ولكن الجامع في التعليقات كان السخرية المُترعة بالألم، والضحك الأشبه بالبكاء على مصير اللغة العربية التي تغرّبت وتفرنجت.

ما أسباب الظاهرة المُفجعة التي تفاقمت رغم التحذيرات التي أطلقها الحادبون من أمثال حافظ إبراهيم في قصيدته الخالدة "اللغة العربية تنعي حظها بين أهلها":
وسِعْتُ كِتابَ اللهِ لَفْظًا وغايًة             وما ضِقْتُ عن آيٍ بهِ وعِظاتِ
فكيف أَضِيقُ اليومَ عن وَصْفِ آلَةٍ               وتَنْسِيقِ أسماءٍ لمُخْترَعاتِ
أنا البَحْرُ في أَحْشائِه الدُّرُّ كامِنٌ         فهل سَأَلوا الغَوَّاصَ عن صَدَفاتِي

ترى، هل كانت صرخته سُدى تذروه الرياح؟!

أم أن عوامل كثر تضافرت لتنحدر لغتنا الرؤوم إلى هذا الدرك، فيشيرُ أحدهم -تعقيبا على الاستطلاع- بأن هذا الأسلوب قد أضحى من وحشي اللغة!

ما أسباب الضعف: ركاكة المناهج، وجهل المُعلمين باللغة، وطرائق التدريس المتخلفة، والاستخفاف في وسائل الإعلام بالفصحى والإعلاء من شأن اللهجات العامية، أم استشراء المدارس الأجنبية كالنار في الهشيم دون تعقّل لآثارها المدمرة- هي العوامل التي أنتجت هذا الجيل الذي لا يكتفي بالجهل بالعربية، بل ويتفاخر بذلك!

هل أدت المبادرات المحمودة التي ظهرت مؤخرا: تخصيص يوم الثامن عشر من ديسمبر يوما عالميا للغة العربية، ومبادرة "أصحابنا" في لبنان، ومبادرة "لغتي" في الشارقة، ومبادرة "المستكشف" لصوغ أكبر موسوعة عربية معاصرة، ومبادرات عديدة على اليوتيوب مثال "العنادل"، وغيرها من الجوائز والمبادرات الفردية والمؤسسية الطموحة إلى تغيير إيجابي في خريطة الجدب اللغوي التي نعيشها؟

ترى، هل سنشهد تغيّرا قريبا يجعل السواد الأعظم لا يعاني الصعاب في فهم "الرضاب"؟!

أتمنى ذلك!